السبت، 22 أغسطس 2015

وفاء الصبي

وفاء الصبي

كان هناك ولد صغير اسمه محمد يلعب مع مجموعة من الأولاد في سنه، عندما رأى كرة بألوانها الفاتنة وسط العشب، فأسرع ليلتقطها،لكنها ابتعدة عنه وكأن أحد قد جذبها بخفة بخيط يكاد لا يرى،

فتوقف منبهرا، ثم لما لاحظ أن الكرة توقفت مرة أخرى ذهب مسرعا نحوها، فأسرعة الكرة أيضا، صارت الكرة تجري بسرعة والولد محمد يجري بسرعة أكبر ليلحق بها ويمسكها، وفجأة .. سقط الولد محمد في حفرة عميقة ولم يستطع الصعود منها.

أخذ محمد يصرخ لعل أحداً ينصت صراخه ويخرجه من هذه الحفرة غير أن الوقت مر وحل الليل ومحمد وحده في الحفرة حاول الصعود  لكنها كانت ملساء وعالية ومبتلة، وحاول أن يحفر بأظافره في جدرانها ولم يقدر على شيء .. فترك نفسه ينتظر داخل الحفرة الى أن يسمعه أحد وبدأ يبكي ..

في هذه الأثناء كان رجل يمرمن جانب الحفرة وهو راكب على دراجته، حينما سمع صوت البكاء فاقترب رويدا رويدا، وانصت، فألقى نظرة، لكنه لم يبصر أحداً .

دهش الرجل وحار كثيراً فيما يفعل، البكاء يأتي من باطن الأرض، فهل هو جني يبكي؟ نعم لعله جني حقاً، وصرخ الرجل هل يوجد أحد هنا؟

وبسرعة رد محمد من داخل الحفرة .. أنا ..هنا .. أنا . وسأله الرجل هل أنت إنسان أم جني؟

أسرع محمد يجيب بصوت يطبعه الخوف والارتجاف: أنا إنسان .. ولد .. ولد .. أرجوك أنقذني من هذه الحفرة فقد علقة فيها منذ الصباح و أنا هنا.

وبدأ بالبكاء .. فنزل الرجل عن دراجته، ودنا ببطئ وهدوء، وهو يتلمس الأرض بيديه ويبحث بين الحشائش، وكان يتحدث مع الولد لكي يتبع صوته حتى عثرت أصابعه بحافة الحفرة وبسرعة رفع قامته ليأتي بحبل من دراجته، فهتف الولد:

أرجوك يا عمي لا تتركني .. أنقذني أرجوك.
وأجابه الرجل، لا تخف سأجلب حبلاً به أسحبك إلى فوق..
وهكذا جلب الحبل ورماه إلى الولد الذي تمسك به بقوة، فسحبه الرجل وصعد به إلى الأرض، وبعد أن استراح الولد قليلاً أركبه الرجل لكي يوصله إلى أهله، الذين شكروه كثيراً على حسن صنيعه.

ومضت الأيام والأسابيع والشهور والسنين، ونسى محمد ذلك اليوم المخيف في حياته، وقد كبر محمد كثيراً حتى صار شاباً قوياً وسيماً، وأخذ يعمل بالتجارة، فيقطع المسافات الطويلة وفي إحدى سفراته الطويلة، كان مع أفراد قافلته قد ناموا في استراحة بعد يوم سفر طويل، لكن حين استيقظ وجد نفسه وحيداً، وقد تحركت قافلته، ولم ير أي أثر لها، فتعجب، وتساءل: أيمكن أن يكونوا قد تعمدوا تركه؟؟ وهكذا مضى سائراً على قدميه سيراً حثيثاً، محاولاً السير في طريق قافلته، غير أنه وجد نفسه تائهاً في صحراء لا نهاية لرمالها...

أخذ يسير ويسير، وقد بقى لديه قليل من ماء وطعام عندما رأي غير بعيد عنه شيئاً مكوماً، فرفع سيفه وتقدم إليه، وهو يتساءل بينه وبين نفسه ( هل سمعت صوتاً ينادي؟) وتقدم أكثر إليه، وعندئذ سمع صوتاً يصيح ( النجدة .. أنقذوا عجوزاً يموت .. ) وتعجب محمد، فمن جاء بهذا العجوز إلى هذا المكان؟ .
حين وصل إليه، وجده وهو يكاد يموت، فأسرع ينزل قربته من كتفه ويقربها من فم العجوز المرتجف ويقول له:
خذ يا عم .. اشرب .. فليس في قربتي غير هذا القليل من الماء فرد العجوز بصوته المرتجف بعد أن شرب واستراح:
بارك الله فيك يا .. ولدي.. وأخرج له بقايا خبز لديه، وقال له: كل يا عم .. كل هذا الخبز القليل لتقوي به..
فتناوله العجوز ودفعه إلى فمه وقال: جزاك الله خيراً .. أيها الشاب الطيب ..
وسأل محمد: ولكن كيف وصلت إلى هذا المكان، المقفر في هذه الصحراء القاحلة وأنت في هذه الحال؟

رد العجوز :
حظي الذي أوصلني إلى هذا المكان، وحظي الذي جعلني في هذه الحال. حين سمع الشاب محمد الرجل، أخذ يفكر أنه يتذكر هذا الصوت.. إنه يعرفه .. وردد: أنا أعرفه.. لابد أني أعرفه.. وكان العجوز ما زال يتكلم:
لقد تلفت ساقاي في حريق شبّ في بيوت القرية، وبيت أهلي منها منذ زمن .. وصرت أتنقل على دراجتي.. وكنت الآن في طريق إلى أهلي وبيتي، لكن قطاع الطرق أخذوا دراجتي ورموني للموت هنا..

وسأل متعجباً: ولم يرقوا لحالك ويعطفوا عليك؟
فأجابه العجوز: لا تعمر الرحمة قلوب الجميع يا ولدي..
فجأة سطعت الذكرى في رأسه، وتذكر الرجل الذي أنقذه من الحفرة، يوم كان صبياً صغيراً، هكذا انزاح الضباب وظهر وجه الرجل.. وهتف في نفسه: ( هو .. هو .. إنه هو .. ) وسأله العجوز: ما لك يا ولدي ؟

فأجابه الشاب محمد بسرعة :
إنه أنت .. نعم أنت هو .. حمداً لله وشكراً .. هذه غاية عطاء الله لي..
وسأله العجوز : ماذا حدث لك يا ولدي ؟
وسأله محمد : هل تذكر يا عم . أنك قبل سنين كثيرة أنقذت ولداً صغيراً ساقطاً في حفرة؟

في البداية لم يتذكر الرجل، لكنه سرعان ما تذكر هو الآخر تحت وصف وإلحاح الشاب محمد.. وقال له محمد:
الحمد لله إنك تذكرت .. أنا هو يا عم .. أنا محمد الذي أنقذته..
الشاب محمد حمل الرجل العجوز على كتفيه وهو عطش وجائع وانطلق يسير به ويسير وهو يقول:
سأسير بك ما دمت قادراً على السير حتى أوصلك إلى بيتك أو أموت وحين وصلوا إلى قرية العجوز، تجمع الناس حولهما مكبرين العمل الذي قام به محمد ورأوا فيه كل معاني الإنسانية والوفاء...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق